السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

374

مختصر الميزان في تفسير القرآن

أفراده الوحي والكتاب . وليس المراد بها أن اللّه أفاض عليكم العلم بأشياء ما كان لكم من أنفسكم أن تعلموا كما يفيده قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ ( النحل / 78 ) وقوله : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( العلق / 5 ) ، فإن السياق كما عرفت ينافي ذلك . فالمراد بالآية تعليم ما ليس في وسع الإنسان بحسب الطرق المألوفة عنده التي جهز بها أن ينال علمه ، وليس إلا ما أوحاه اللّه سبحانه إلى أنبيائه وحملة وحيه بكتاب أو بغير كتاب من المعارف الإلهية والأحكام والشرائع فإنها هي التي لا تسع الوسائل العادية التي عند عامة الإنسان أن تنالها . ومن هنا يظهر أن المخاطبين بهذا الكلام أعني قوله : « وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا » الخ ؛ ليسوا هم المشركين إذا لم يكن عندهم من معارف النبوة والشرائع الإلهية شيء بين يعرفونه ويعترفون به والذي كانوا ورثوه من بقايا آثار النبوة من أسلاف أجيالهم ما كانوا ليعترفوا به حتى يصح الاحتجاج به عليهم من غير بيان كاف ، وقد وصفهم اللّه بالجهل في أمثال قوله : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ( البقرة / 118 ) . فالخطاب متوجه إلى غير المشركين ، وليس بموجه إلى المسلمين أما أولا : فلأن السياق سياق الاحتجاج ، ولو كان الخطاب متوجها إليهم لكان اعتراضا في سياق الاحتجاج من غير نكتة ظاهرة . وأما ثانيا : فلما فيه من تغيير مورد الخطاب ، والعدول من خطاب المخاطبين بقوله : « مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى » الخ ؛ إلى خطابه غيرهم بقوله : « وَعُلِّمْتُمْ » الخ ؛ من غير قرينة ظاهرة مع وقوع اللبس فالخطاب لغير المشركين والمسلمين وهم اليهود المخاطبون بصدر الآية . قوله تعالى : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ لما كان الجواب واضحا